السيد حيدر الآملي
313
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
المصنّفة في هذا الفنّ ( 126 ) . وإذا عرفت ذلك ظهر معنى قوله عليه السّلام : من « مشبّه للَّه بخلقه » كالبقيّة من أصحاب الملل السابقة ، فانّهم وإن أثبتوا صانعا إلَّا أنّ أذهانهم مكيّفة بكيفيّة بعض مصنوعاته في نفس الأمر من الجسميّة وتوابعها ، ومن ملحد في اسمه كالَّذين عدلوا عن الحقّ عن أسمائه بتحريفها عمّا هي عليه إلى أسماء اشتقّوها لأوثانهم وزادوا فيها ونقصوا كاشتقاقهم اللَّات من اللَّه ، والعزّى من العزيز ومناة من المنّان ، وهذا التأويل مذهب ابن عبّاس ، ومنهم من فسّر الملحدين في أسماء اللَّه تعالى بالكاذبين في أسمائه ، وعلى هذا كلّ من سمّي اح بما لم يسمّ به نفسه ( ذهنه ) ولم ينطق به ( كتاب ) ولا ورد فيه إذن شرعيّ فهو ملحد في أسمائه . وقوله : « ومن مشير إلى غيره » . كالدهريّة وغيرهم من عبدة الأصنام ، والانفصال هاهنا لمنع الخلوّ أيضا ، فلمّا اقتضت العناية بعثته صلَّى اللَّه عليه وآله ليهتدوا سبيل الحقّ ويفيئوا من ضلالهم القديم إلى سلوك الصراط المستقيم ، ولينقذهم ببركة نوره من ظلمات الجهل إلى أنوار اليقين ، فقام بالدعوة إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالَّتي هي أحسن ، فجلى اللَّه بنوره صداء قلوب الخلق ، وأزهق باطل الشيطان بما جاء به من الحقّ والصدق وانطلقت الألسن بذكر اللَّه واستنارت البصائر بمعرفة اللَّه وكمل به دينه في أقصى بلاد العالم ، وأتمّ به نعمته على كافّة عباده ، كما قال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً [ سورة المائدة : 3 ] . أحبّ اللَّه سبحانه لقاءه كما أحبّ هو لقاء اللَّه كما قال صلَّى اللَّه عليه وآله : من أحبّ لقاء اللَّه أحبّ اللَّه لقاءه ( 127 ) .
--> ( 126 ) قوله : الكتب المصنّفة في هذا الفنّ . راجع ( الملل والنحل ) ج 2 ، ص 232 إلى 265 . ( 127 ) قوله : من أحبّ لقاء اللَّه . روى الصدوق في ( معاني الأخبار ) ص 236 ، بإسناده عن الصادق عليه السّلام سئله بعض أصحابه عن الحديث المذكور وقال له : أصلحك اللَّه ، من أحبّ لقاء اللَّه أحبّ اللَّه لقاءه ، ومن أبغض لقاء اللَّه أبغض اللَّه لقاءه ؟ قال ( ع ) : نعم ، فقال : فو اللَّه إنّا لنكره الموت ، فقال ( ع ) : ليس ذلك حيث تذهب ، إنّما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحبّ فليس شيء أحبّ إليه من أن يتقدّم واللَّه يحبّ لقاءه وهو يحبّ لقاء اللَّه حينئذ ، وإذا رأى ما يكره فليس شيء أبغض إليه من لقاء اللَّه واللَّه عزّ وجلّ يبغض لقاءه . وروي الحديث أيضا في ( مصباح الشريعة ) الباب الثالث والثمانون في ذكر الموت عن الصّادق عليه السّلام عن النبيّ ( ص ) . وراجع أيضا مسند أحمد بن حنبل الحديث 3 ، ص 107 ، وج 4 ، ص 259 . وصحيح مسلم ج 4 ، ص 5065 ، الحديث 15 و 16 و 17 ، وكنز العمّال ج 15 ، ص 565 ، الحديث 42196 .